أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن نجاح العمليات السلمية في العالم لا يُقاس بمجرد توقيع الاتفاقات السياسية أو صمت البنادق، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.
جاء ذلك في كلمة ألقتها بمناسبة مرور عشرة أعوام على توقيع اتفاق السلام النهائي في كولومبيا، والذي أنهى عقوداً من الصراع المسلح مع حركة "فارك"، حيث شهدت العاصمة الكولومبية احتفالية رسمية واستثنائية استحضرت رمزيّة المكان واللحظة التاريخية لطي صفحة الحرب المسلحة.
السلام كعملية مستمرة
وأوضحت كرمان أن الاتفاقات السياسية تمثل خطوة أولى، بينما يبدأ السلام الفعلي في اليوم التالي للتوقيع من خلال جهد مستمر لبناء المؤسسات والمجتمعات.
وأشارت كرمان إلى أن التجربة المؤلمة التي عاشتها في اليمن، إلى جانب اطلاعها على تجارب عالمية أخرى، أثبتت أن السلام يتطلب بناء المدارس والمحاكم، وتحسين الخدمات، وتمكين المرأة والشباب.
تقييم النموذج الكولومبي
واعتبرت كرمان أن الاتفاق الكولومبي يمثل إنجازاً وطنياً ونموذجاً ملهماً للمجتمعات التي تعاني من النزاعات، مشيدةً بدوره في إنهاء الحرب واستعادة الدولة لحقها الحصري في امتلاك السلاح ودمج المقاتلين السابقين.
ونوهت في الوقت ذاته بأن الاستدامة تقتضي تحقيق إصلاحات زراعية وتنموية شاملة والحد من الفقر. ورحبت بسياسة "السلام الشامل" التي اعتمدتها الحكومة الكولومبية لمواصلة معالجة الجذور العميقة للعنف.
دروس من تجارب السلام
واستعرضت توكل كرمان، العبر المستفادة من تجارب دولية كجنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية ورواندا، مؤكدة أن تعثر الاتفاقات يعود غالباً إلى البطء في التنفيذ وبيروقراطية المؤسسات وتأخر العدالة.
وشددت كرمان، على أن المجتمعات المدنية، بما تضم من نساء وشباب وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، هي الضامن الحقيقي لديمومة السلام وحمايته من التقلبات السياسية.
السلام والعدالة العالمية
واختتمت توكل كرمان كلمتها بالدعوة إلى نصرة القضايا العادلة حول العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، معربة عن رفضها للتجزئة في معايير الكرامة الإنسانية، مؤكدة أن تحقيق الأمن العالمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمواجهة الاستبداد والظلم والعنصرية، مشددة على أن النضال من أجل السلام هو في جوهره نضال مستمر من أجل الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
وفيما يلي نص الكلمة:
يشرفني أن أكون بينكم اليوم في هذا المكان الذي يحمل قيمةً تاريخية ورمزية خاصة للشعب الكولومبي. فمن هنا، قبل عشرة أعوام، فتحت كولومبيا صفحة جديدة في تاريخها بتوقيع اتفاق السلام النهائي، بعد أكثر من نصف قرن من الصراع المسلح . ولم يكن ذلك الاتفاق مجرد نهاية لحرب طويلة، وإنما كان إعلانًا بأن الحوار يمكن أن ينتصر على العنف، وأن الأمل قادر على أن يفتح الطريق أمام مستقبل مزدهر ومستقر .
وبعد مرور عقد كامل، لم يعد السؤال هو ما إذا كان الاتفاق قد وُقِّع، وإنما كيف نجعل السلام حقيقة يعيشها المواطن في حياته اليومية. فالاتفاقات تُوقَّع في يوم واحد، أما السلام الحقيقي فيُبنى عبر سنوات طويلة من العمل والإصلاح والإرادة السياسية.
لقد تابعت على مدى سنوات تجارب عديدة لبناء السلام في مختلف أنحاء العالم، كما عشت شخصيًا التجربة المؤلمة في اليمن، وهي تجربة علمتني أن الحروب قد تنتهي باتفاق سياسي، لكن السلام يبدأ في اليوم التالي. فهو ليس مناسبة احتفالية، ولا مراسم دبلوماسية، ولا صورة تلتقط لخصوم سابقين وهم يتصافحون، وإنما هو عملية مستمرة لبناء الإنسان والدولة، تبدأ في المدارس والمحاكم والبرلمانات، وتمتد إلى القرى النائية كما تمتد إلى العاصمة والمدن .
ولهذا فإن نجاح أي عملية سلام لا يُقاس بمجرد توقيع الاتفاقات، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس. هل يشعر المواطن بالأمان؟ هل أصبحت المرأة شريكًا كاملًا في الحياة العامة؟ هل يجد الشباب فرصة للمستقبل بدلًا من الانجرار إلى العنف؟ وهل وصلت التنمية والخدمات والعدالة إلى المناطق التي دفعت الثمن الأكبر للحرب؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد ما إذا كان السلام قد ترسخ بالفعل.
ومن هذا المنطلق، أرى أن اتفاق السلام الكولومبي يمثل إنجازًا وطنيًا كبيرًا ونموذجًا ملهمًا للمجتمعات التي تشهد نزاعات مسلحة . كما أنني أستلهم كثيرًا من مقارباته في رؤيتي لبناء السلام في اليمن. فقد حقق الاتفاق أهدافًا جوهرية؛ إذ أنهى الحرب بين الدولة وحركة فارك، ووضع حدًا لوجودها كتنظيم مسلح، وأعاد التأكيد على مبدأ احتكار الدولة للسلاح المشروع، ونجح إلى حد كبير في دمج آلاف المقاتلين السابقين في الحياة المدنية والسياسية. ولا شك أن تحقيق هذه النتائج بعد أكثر من خمسين عامًا من الصراع يُعد إنجازًا تاريخيًا يستحق التقدير.
ومع ذلك، فإن السلام المستدام لا يكتمل بمجرد إسكات البنادق. فالسلام يحتاج إلى تنمية حقيقية، وإصلاح زراعي، وتوسيع للخدمات العامة، والحد من الفقر، وتعزيز حضور الدولة في المناطق التي عانت من النزاع، حتى تُعالج الأسباب التي أفرزت العنف وتُمنع عودته. وفي هذا السياق، تمثل سياسة «السلام الشامل» التي تبناها الرئيس غوستافو بيترو جهدًا مهمًا لمواصلة هذا المسار، وآمل أن تستمر الحكومات الكولومبية المقبلة في البناء عليها، بغض النظر عن نتائج الانتخابات، لأن السلام مشروع وطني يتجاوز الحكومات والأحزاب.
وفي نهاية المطاف، تبقى الدولة الديمقراطية التي تحمي الحقوق والحريات وتصون سيادة القانون هي الضمانة الأساسية لاستمرار السلام وترسيخ العدالة والحفاظ على المنجزات التي تحققت. وصون هذه الدولة وتعزيز مؤسساتها مسؤولية وطنية يتحملها جميع الكولومبيين، وهم أهلٌ لهذه المسؤولية وقادرون على حملها.
أيها الحضور الكريم،
إن التأمل في تجارب السلام، من جنوب أفريقيا إلى أيرلندا الشمالية، ومن رواندا إلى كولومبيا، يكشف أن لكل بلد خصوصيته، لكن الدروس الكبرى تكاد تكون متشابهة. فاتفاقات السلام لا تتعثر عادة بسبب ما كُتب فيها، وإنما بسبب البطء في تنفيذها، وضعف المؤسسات، وتأخر العدالة، وعجز التنمية عن الوصول إلى المجتمعات التي دفعت الثمن الأكبر للصراع. وعندما تتآكل ثقة المواطنين في قدرة الدولة على الوفاء بوعودها، يصبح السلام نفسه أكثر هشاشة.
ولهذا لا يُقاس السلام بعدد البنادق التي صمتت، وإنما بعدد المواطنين الذين استعادوا ثقتهم بدولتهم. ولا يُقاس بعدد صفحات الاتفاق، وإنما بعدد الأطفال الذين يذهبون إلى مدارسهم بأمان، وعدد المزارعين الذين يزرعون أراضيهم بكرامة، وعدد الأسر التي أصبحت قادرة على التخطيط لمستقبل يخلو من الخوف.
كما تعلمنا تجارب السلام أن الحكومات قد تتفاوض على إنهاء الحروب، لكن المجتمعات هي التي تحافظ على السلام. فالمجتمع المدني ليس شريكًا ثانويًا، وإنما هو أحد أعمدته الأساسية. النساء اللواتي حافظن على تماسك مجتمعاتهن خلال سنوات الحرب، والشباب الذين اختاروا المشاركة بدلًا من السلاح، والصحفيون الذين دافعوا عن الحقيقة، والمدافعون عن حقوق الإنسان، وقادة المجتمعات المحلية، هم الذين يحافظون على روح السلام عندما تتغير الحكومات أو تضعف الإرادة السياسية. ولذلك فإن دعم المجتمع المدني يمثل استثمارًا في مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
السيدات والسادة،
وبعد عشرة أعوام على اتفاق السلام، لا تقدم كولومبيا للعالم قصة مكتملة، وإنما تقدم تجربة حية ما تزال تتطور. وهذا لا ينبغي أن يدعو إلى الإحباط، لأن بناء السلام يحتاج إلى الصبر والمثابرة والاستعداد الدائم لتصحيح الأخطاء دون التخلي عن الهدف. واليوم، بينما يشهد العالم أكبر عدد من النزاعات المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تكتسب التجربة الكولومبية أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، لأنها تؤكد أن البديل عن الحوار ليس النصر في معظم الأحيان، وإنما خسارة الجميع.
وأخيرًا، ونحن نحتفي اليوم بما حققته كولومبيا، لا يمكن أن نغفل أن السلام ما زال غائبًا عن مناطق كثيرة من عالمنا. من فلسطين، حيث يواصل المدنيون الأبرياء دفع ثمن الحرب والاحتلال والحرمان من أبسط حقوقهم، إلى كل مكان ما زالت فيه الحروب والاستبداد والتهجير تسلب الناس حياتهم ومستقبلهم، يبقى واجبنا الأخلاقي أن ندافع عن سلام يقوم على العدالة لا على موازين القوة.
فالسلام لا يمكن أن يكون انتقائيًا، والكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون مشروطة، والعدالة لا ينبغي أن تخضع للجغرافيا أو للمصالح السياسية. ولن يصبح عالمنا أكثر أمنًا واستقرارًا ما لم نواجه أيضًا الاستبداد، والظلم، وعدم المساواة، والكراهية، والعنصرية، وكل السياسات التي تنزع عن الإنسان إنسانيته.
إن النضال من أجل السلام هو في جوهره نضال من أجل الحرية، والنضال من أجل العدالة هو نضال من أجل حقوق الإنسان، والنضال ضد الحرب هو أيضًا نضال ضد الطغيان.












