أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، أن الأعمال الاجتماعية تمثل "لغة السلام في عالم منقسم"، مشددة على أنها ليست عملاً إحسانياً، بل استثماراً في السلام والأمن والاستقرار طويل المدى.
وحذرت في كلمة ألقتها عبر دائرة الفيديو خلال فعالية "الأعمال الاجتماعية: لغة السلام في عالم منقسم" في العاصمة البنغلاديشية دكا، بحضور الرئيس البنغلاديشي، محمد يونس، من تراجع الاستثمارات العالمية في التنمية والأعمال الاجتماعية، رغم تصاعد الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن الأزمات الاقتصادية، وتصاعد النزعات القومية، واستمرار النزاعات، وتغير الأولويات السياسية، أسهمت في تقليص الموارد المخصصة للتنمية، في وقت يواصل فيه ملايين الأشخاص معاناتهم من الفقر والنزوح وضعف الخدمات الأساسية.
وقالت كرمان إن هذا التراجع "ليس مجرد أزمة إنسانية، بل تهديد مباشر للسلام العالمي"، موضحة أن غياب العدالة والفرص يغذي اليأس، ويوفر بيئة خصبة للجريمة والعنف والتطرف.
وأشارت كرمان إلى أن العالم يشهد انقساماً غير مسبوق تتسع فيه رقعة الحروب، ويتعمق الاستقطاب، وينتشر خطاب الكراهية، وتتآكل الثقة بين الأمم والمجتمعات بوتيرة مقلقة، مشددة على أن الأعمال الاجتماعية تبرز باعتبارها اللغة القادرة على توحيد البشرية عندما تفشل السياسة في ذلك، موضحة أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يقوم على العدالة، وتكافؤ الفرص، وصون الكرامة، والتضامن الإنساني.
ولفتت كرمان إلى أن العمل الاجتماعي لا يميز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو القومية أو الانتماء السياسي، بل ينظر إلى الإنسان باعتباره مستحقاً للكرامة والفرصة والأمل، معتبرة أن بناء المدارس، وافتتاح المستشفيات، وتوفير المياه النظيفة، وخلق فرص العمل، وتمكين النساء اقتصادياً، كلها تمثل استثماراً مباشراً في السلام.
تجربة محمد يونس
وأشادت كرمان بتجربة محمد يونس، معتبرة أنه أحدث تحولاً في مفهوم التنمية بعدما أثبت أن الفقراء لا تنقصهم الموهبة أو الطموح، وإنما الفرصة، من خلال نظام التمويل الأصغر، كما رسخ مفهوم الأعمال الاجتماعية التي تهدف إلى معالجة مشكلات المجتمع مع الحفاظ على استدامتها المالية.
ودعت إلى توسيع هذه الرؤية عبر بناء شراكات بين الحكومات والمجتمع المدني والجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات الخيرية والشباب، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية ورفع كفاءة الأداء وتوسيع الأثر الاجتماعي.
المساعدات الانسانية
وأكدت أن المساعدات الإنسانية يجب ألا تبقى رهينة للمصالح السياسية أو الحسابات الجيوسياسية، مشددة على أن الكرامة الإنسانية حق أصيل لكل إنسان، وأن السلام يبدأ عندما يشعر الناس بأن هناك من يؤمن بحقهم في التعليم والصحة والحرية والفرصة والعيش الكريم.
واختتمت كرمان كلمتها بالتأكيد على أن الأعمال الاجتماعية ليست مجرد استجابة للأزمات، بل هي اللغة التي تبني جسور الثقة بين البشر، والطريق المؤدي إلى السلام، داعية إلى جعل الإنسان محور العملية التنموية، وتحويل الأفكار الملهمة إلى شراكات قادرة على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس.
وفيما يلي نص الكلمة:
الضيوف الأعزاء،
البروفيسور محمد يونس،
أعضاء القمة العالمية للأعمال الاجتماعية،
الحضور جميعاً،
إن لقاءنا هذا العام ليحمل دلالة استثنائية، إذ يتزامن مع الاحتفاء بمحطتين تاريخيتين: اليوبيل الذهبي لـ "بنك غرامين" (مرور خمسين عامًا على تأسيسه)، والذكرى العشرين لنيل البروفيسور محمد يونس جائزة نوبل للسلام. إن هاتين المناسبتين تذكراننا بأن فكرةً واحدةً—حين تكون متجذرة في كرامة الإنسان—يمكنها أن تُغيّر حياة الملايين، وأن تُلهم العالم أجمع.
نحن اليوم نعيش في عالم يواجه انقساماً غير مسبوق، تتّسع فيه رقعة الحروب، ويتعمّق الاستقطاب، وينتشر خطاب الكراهية، وتتآكل الثقة بين الأمم والمجتمعات بوتيرةٍ مُقلقة.
وفي خضم هذا الواقع، يبرز أمامنا سؤال مركزي:
أي لغة ما زال بمقدورها توحيد البشرية حين تفشل السياسة في ذلك؟
أعتقد أن الإجابة هي: الأعمال الاجتماعية.
فعندما تعجز السياسة عن لمّ الشتات، تأتي الأعمال الاجتماعية لتوحد القلوب والعقول حول قيمنا الإنسانية المشتركة، فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو حضور العدالة، وتكافؤ الفرصة، وصون الكرامة، والتضامن الانساني. والأعمال الاجتماعية هي اللغة العالمية التي تُترجم كل هذه القيم إلى واقع يعيشه الناس في حياتهم اليومية.
إن العمل الاجتماعي لا يفتش في هوية الإنسان؛ لا يسأل عن دينه، أو عرقه، أو قوميته، أو انتمائه السياسي؛ بل يرى فيه فقط كائنًا بشريًا يستحق الكرامة، والفرصة، والأمل.
فكل مدرسة نشيدها، وكل مستشفى نفتح أبوابه، وكل أسرة نؤمن لها قطرة ماء نقي، وكل شاب يجد عملًا كريماَ، وكل امرأة نُمكّنها لتصنع مشروعها الخاص... كل ذلك يمثل ما هو أبعد بكثير من مجرد "مشروع تنموي"؛ إنه استثمار في السلام.
ومع ذلك، فإننا نواجه اليوم واقعًا يبعث على القلق؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتياجات الإنسانية بشكلٍ دراماتيكي، تتراجع الاستثمارات العالمية في التنمية الاجتماعية والأعمال الاجتماعية، فالأزمات الاقتصادية، وتصاعد التيارات القومية، والنزاعات الممتدة، وتغيّر الأولويات السياسية، قد أدى ذلك كله الى تقليص الموارد المخصصة للتنمية، بينما يواصل الملايين معاناتهم من الفقر، والنزوح، ونقص التعليم، والرعاية الصحية غير الكافية.
إنّ هذا التراجع ليس مجرد أزمةٍ إنسانية—إنه تهديدٌ مباشرٌ للسلام العالمي، فحيثما غابت العدالة وتبخرت الفرص، نبت اليأس وترعرع. وحيثما ساد اليأس، وجدت الجريمة والعنف والتطرف بيئة خصبة للاستشراء.
لذلك، فإن دعم الأعمال الاجتماعية ليس من قبيل الإحسان، بل هو استثمارٌ في السلام، والأمن، والاستقرار طويل المدى.
وفي هذا السياق، يظل البروفيسور محمد يونس منارة ملهمة للعالم؛ فقد أحدث ثورة في مفاهيمنا للتنمية حين أثبت بالبرهان القاطع أن الفقراء لا يعوزهم الطموح أو الموهبة، بل تعوزهم الفرصة.
فمن خلال نظام "التمويل الأصغر"، فتح آفاق الريادة لملايين النساء والعائلات ليعيشوا حياة كريمة. والأهم من ذلك، أنه أرسى مفهوم "الأعمال الاجتماعية"—أي المؤسسات التي لا تُصمّم لتحقيق أقصى الأرباح، بل لحل أبرز التحديات التي تواجه المجتمع، مع الحفاظ على استدامتها المالية.
لقد برهنت رؤيته على أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم وأقوى استثمار يمكن لأي مجتمع أن يقوم به.
واليوم، مع استمرار انحسار التمويل التقليدي للتنمية، يتعين علينا توسيع نطاق هذه الرؤية عبر بناء شراكات وثيقة وأكثر صلابة بين الحكومات، والمجتمع المدني، والجامعات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الخيرية، والشباب المبتكر. كما يجب علينا تسخير التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الأداء، وتوسيع الأثر الاجتماعي.
لكن، وقبل كل شيء، يجب علينا أولاً أن نعيد لقيمة التضامن الإنساني صدارتها في الخطاب العالمي.
ففي عالم يزداد انقسامًا، لا يمكن — بأي حال من الأحوال — أن تظل المساعدات الإنسانية رهينة للمصالح السياسية الضيقة أو الحسابات الجيوسياسية. إن الكرامة الإنسانية قيمة مطلقة غير قابلة للتفاوض أو المساومة، وهي حق أصيل ومشترك لكل إنسان على هذه الأرض.
إن السلام لا يبدأ فقط بانتهاء الحروب؛ وإنما يبدأ حين يدرك الناس بأن هناك من يؤمن بحقهم في التعليم، والصحة، والحرية، والفرصة، والعيش الكريم.
ولهذا، فإن الأعمال الاجتماعية هي أبعد من مجرد استجابة عابرة للأزمات؛ إنها اللغة التي تبني جسور الثقة بين البشر، والركيزة التي تنقل المجتمعات من ضفاف الشتات إلى رحاب التعايش، ومن أتون النزاع إلى ديمومة السلام.
لتكن هذه القمة إذن بمثابة عهد متجدد؛ عهد نضع فيه الإنسان في قلب العملية التنموية، ونجعل من الاعمال الاجتماعية حجر الزاوية لبناء السلام، ونحول فيه الأفكار الملهمة إلى شراكات تغير وجه الحياة.
ذلك أن مستقبل السلام لن يصاغ بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالاتفاقيات السياسية وحسب؛ بل سيبنى يوم يشعر كل إنسان بأنه مرئي، ومسموع، وممكّن، وقادر على صياغة مستقبله بيده.
إن الأعمال الاجتماعية ليست مجرد لغة نتحدث بها عن السلام... بل هي الطريق المفضي الى السلام.
شكراَ لكم!