أكدت الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان، أن تمسك الشعوب بالأحلام القائمة على الكرامة والحرية والمساواة وسيادة القانون ليس مجرد حق، بل هو مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الحاضر وتنتقل إلى الأجيال القادمة.
وقالت توكل كرمان في كلمتها خلال احتفالية الذكرى العاشرة لمعرض "ما زال لدينا حلم" المقامة في كاتدرائية لوند بالسويد، إن هذه القيم هي الدفاع الأول والوحيد لإبقاء الأمل حياً في عالم يعاني من ويل الحروب، وصعود الأنظمة الاستبدادية، والاستقطاب، والكراهية، والتغير المناخي، والظلم الاجتماعي والاقتصادي.
وأوضحت كرمان أن الحفاظ على الأحلام يتطلب الشجاعة كأداة للدفاع عنها، إلى جانب التعاطف الإنساني الشامل الذي يمنع الاستئثار والتهميش، مشيرة إلى أن نضال الشعوب وتضحياتها في بلدان الربيع العربي لم تكن حركة أنانية، بل كانت سعياً جماعياً للحرية والعدالة.
وأشادت بالصمود المستمر للشعبين اليمني والإيراني في مواجهة أنظمة الحكم المستبدة والميليشيات الطائفية، مؤكدة أن ما يمر به اليمن وإيران من صراعات وفوضى هو نتاج لمؤامرات تديرها أنظمة ديكتاتورية وأيادٍ دولية تسعى لتدمير المكتسبات الوطنية والحد من تطلعات الشعوب لبناء دول قائمة على التنمية والعدل.
توصيف الصراع وتفنيد الرواية الطائفية
وشددت كرمان على أهمية التوصيف الدقيق للأزمات في المنطقة، رافضة تحويل النزاعات إلى مجرد صراع مذهبي بين السنة والشيعة.
واستشهدت كران بنضالها المشترك مع الناشطة الإيرانية شيرين عبادي لتأكيد أن المعركة الحقيقية هي بين الشعوب التائقة للديمقراطية والحرية من جهة، والأنظمة الاستبدادية والثيوقراطية من جهة أخرى، لافتة إلى أن الصراعات القائمة ليست سوى واجهات لأجندات سلطوية تهدف إلى تركيع الشعوب وإجهاض حراكها السلمي.
نقد السياسات الغربية وازدواجية المعايير
وجهت كرمان انتقادات حادة للحكومات الغربية والنظام الدولي بسبب ما وصفته بازدواجية المعايير والتخلي عن القيم الإنسانية والديمقراطية لصالح المصالح الضيقة.
وبينت كرمان أن الخوف الغربي من شجاعة الشعوب في السعي نحو الديمقراطية دفع تلك الدول للتحالف مع الديكتاتوريات ومنح الشرعية للميليشيات، كما حدث في اليمن عقب ثورة 2011 واتفاق ستوكهولم الذي افتقر للتنفيذ الميداني. وأضافت أن ثمن هذا الجبن السياسي والصمت عن الجرائم الاستبدادية في مناطق مختلفة، ومنها سوريا، هو ما يدفع العالم ثمنه اليوم من خلال تهديد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب ومضيق هرمز، فضلاً عن تداعيات الحرب في أوكرانيا.
خيار اللاعنف وأهمية التضامن الشعبي
وجددت توكل كرمان تمسكها المطلق بالنضال السلمي واللاعنف كممارسة وأداة رئيسية لبناء الدول والتغيير السياسي المستدام، مشيرة إلى أن السلمية هي التي أجبرت الأنظمة المستبدة على التنحي، مع التمييز بين النهج السلمي وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها عند التعرض للقتل الجماعي.
ودعت الشعوب الديمقراطية، وخاصة في السويد وأوروبا، إلى حماية ديمقراطياتها من التهديدات الداخلية والخارجية، ومحاسبة حكوماتها على دعم الطغاة، مؤكدة أن التعاطف الحقيقي والتضامن الصادق بين الشعوب هما الطريق الأنجع لحل الأزمات العالمية ومواجهة الاستبداد.
وفيما يلي نص الكلمة:
كلمة توكل كرمان في احتفالية الذكرى العاشرة لمعرض "مازال لدينا حلم" - السويد
بعد عشر سنوات من معرض «We Have A Dream – ما زال لدينا حلم»، ما زال لدينا حلم بالكرامة للجميع، وحلم بالحرية للجميع، وحلم بالعدالة للجميع.
الحلم الذي ينبغي أن نحمله ونؤمن به يقوم على قيم الكرامة والحرية والمساواة وسيادة القانون، وبالطبع الحرية. لا ينبغي أن نتخلى عن أحلامنا، لأنها تمنح حياتنا غايتها في هذا العالم.
في هذا العالم الذي يعاني الحروب والصراعات وصعود الأنظمة الاستبدادية والاستقطاب والكراهية والعنصرية وتغير المناخ والظلم الاجتماعي والظلم الاقتصادي، علينا أن نعيش. علينا أن نحمل أحلامنا، لأن هذه الأحلام ستبقينا أحياء. ولا ينبغي أن نتخلى عن أحلامنا. إنها مسؤولية تقع على عاتقنا وعلى عاتق الأجيال القادمة.
لكن هذه الأحلام تحتاج إلى الشجاعة. الشجاعة هي أداتنا للدفاع عن أحلامنا. وهي تحتاج أيضًا إلى التعاطف، فالتعاطف مهم جدًا لأحلامنا كي تكون شاملة للجميع، وإلا فلن يكون الحلم لشخص واحد أو أسرة واحدة أو جماعة واحدة، تاركًا الآخرين خلفه.
ولهذا بدأ نضال الشعوب وتضحياتها من أجل الحرية، ومن أجل العدالة والمساواة، ومن أجل الديمقراطية. هؤلاء الناس لم يكونوا أنانيين. هؤلاء الناس في بلدان الربيع العربي لم يكونوا أنانيين.
وأعتقد أن الناس في بلدي، وفي البلد الشقيق إيران، ما زالوا يناضلون من أجل الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية. ولم يتخلوا عن أحلامهم، ولم يتخلوا عن إيمانهم بأحلامهم، ولا عن إيمانهم بأنفسهم وبقدرتهم على تحقيق أحلامهم.
فما الذي نراه اليوم في بلدي، اليمن؟ وسط كل هذه الفوضى والحرب وميليشيا الحوثي، وفي ظل ما نشهده من صراعات وحروب في شبه الجزيرة العربية، بين السنة والشيعة، فإن كل هذه الوجوه ليست سوى وجوه لأنظمة قبيحة ولديكتاتوريات قبيحة، وأيادٍ دولية خفية تريد تدمير ما حققناه، ولا تريد للشعوب أن تعيش وتبني دولًا جديدة قائمة على العدالة والتنمية.
الشعب في إيران، الذي عانى كثيرًا وضحّى كثيرًا وناضل كثيرًا سلميًا من أجل العدالة ومن أجل الحرية، يرى فجأة أن أحلامه قد تحتاج إلى وقت أطول بكثير حتى تتحقق بعد هذه المؤامرة البشعة وهذه الحرب هناك، من داخل النظام نفسه، ومن ديكتاتوريين من الخارج اختاروا التدخل وسحق الناس الذين كانوا في الشوارع يخوضون احتجاجات سلمية ضد الحكم الملالي وآية الله الخامنئي.
لقد مكّنوا الديكتاتورية في إيران من خلال عدم دعم الشعب الإيراني في مواجهة نظام الملالي، النظام الثيوقراطي في إيران.
والأمر نفسه ينطبق على اليمن. عندما قمنا بثورة سلمية ضد الديكتاتور علي عبدالله صالح، كانت ثورة سلمية عظيمة في عام 2011، وكنا على قدر كبير من الشرف والشجاعة والتعاطف عندما أجبرناه على الاستقالة سلميًا.
ثم دخلنا المرحلة الانتقالية، وجمعنا اليمنيين حول طاولة واحدة من خلال الحوار الوطني، وكنا على بعد خطوات من الدستور والاستفتاء، لكن الثورة المضادة حدثت، والتي قادتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وصمت المجتمع الدولي، خاصة الدول الغربية، التي خافت من شجاعة شعوب الربيع العربي في السعي إلى الحرية والديمقراطية.
الدول الغربية فضّلت التحالف مع الديكتاتوريين في بلدان أخرى، وقالت إن ذلك أفضل من التحالف مع الشعوب. لقد خافوا، وخافوا من شجاعة الشعوب وأملها في الديمقراطية، وهم الآن يدفعون ثمن جبنهم.
لقد خذلوا تطلعاتنا وأحلامنا وتضحياتنا من أجل الحرية. وهم الآن يدفعون الثمن مما يرونه اليوم في مضيق هرمز وفي مضيق باب المندب، والهجمات على السلام والأمن العالميين.
ليس ذلك لأننا تخلينا عن حلمنا، بل لأن الدول الغربية تخلت عن قيمها. هذا ما حدث.
أنا هنا في هذه الكاتدرائية العظيمة، كاتدرائية لوند، التي تمثل 900 عام من مقاومة الحروب ومقاومة الكراهية. وأقول لكم إننا ما زلنا نتمسك بحلمنا وبقيمنا العظيمة.
فمن الذي تخلى عن ذلك؟ إنها بالطبع الأنظمة الاستبدادية في بلداننا، التي كانت وراء الثورة المضادة. ولا أريد أن أتحدث عن روسيا والصين، لأنكم تعلمون أنها أنظمة استبدادية.
المشكلة جاءت من الحكومات الغربية التي تخلت عن قيمها، وتركت الشعوب وحدها في معركتها من أجل الحرية.
نحن لا نطلب من الدول الغربية أو غيرها التدخل عسكريًا في بلداننا. لا. بل نطالبها بالتوقف عن منح الشرعية لأولئك الديكتاتوريين، والتوقف عن منح الشرعية للميليشيات.
وهذا ما حدث مع اتفاق ستوكهولم. كان اتفاقًا مهمًا ساعد اليمنيين على وقف الحرب أو إيجاد هدنة مؤقتة. لكن للأسف، لم يتبعه التنفيذ. لقد منحوا الشرعية للميليشيات، لكنهم لم يتابعوا التنفيذ.
لذلك يجب متابعة مخرجات مثل هذه الاتفاقات بالتنفيذ، لا بمجرد منح الشرعية وتركهم يواصلون ما يفعلونه.
أنا هنا، وأشكركم على دعوتي إلى الذكرى العاشرة لـ«لدينا حلم». وأنا فخورة جدًا بوجودي مع أصدقائي الرائعين، ومع هذه الشخصيات الملهمة، مثل الدالاي لاما، وأختي شيرين عبادي، ووزيرة خارجية السويد السابقة العظيمة، التي قُتلت بطريقة مأساوية، آنا، وهذا إحياء لذكراها.
ولكل امرأة تناضل من أجل العدالة والسلام، ولكل رجل يناضل من أجل العدالة والسلام والمساواة والديمقراطية.
وأنتم، يا شعب السويد، لديكم النضال ذاته الذي نخوضه في بلداننا. عليكم أن تدافعوا عن ديمقراطيتكم، وأن تتقبلوا بعضكم بعضًا، ولا تسمحوا لأحد، ولا لأي صوت أو طرف خارجي، بأن يفرقكم، مثلما حدث في بلداننا.
شكرًا جزيلًا لكم على هذه الدعوة.
وواصلوا الدفاع عن قيمكم بالشجاعة والأمل.
الأمل هو أهم فعل من أفعال المقاومة.
كونوا أشخاصًا يثيرون القلق بمطالبتكم بالحرية والعدالة والديمقراطية، وكونوا مصدر إزعاج للديكتاتوريين.
وأقول دائمًا للناس، بدءًا من اليمن: كونوا كابوسًا للطغاة.
أتذكر عندما أطلقوا سراحي، بعد أن اعتقلوني، ذهبت إلى مدينة تعز، وكان هناك الكثير من الناس. وكانت عبارتي... لا أعرف كيف أترجمها، لكن معناها بالترجمة الحرفية: لن تتمكنوا من التغلب على ضجيج الديكتاتور حتى تكونوا أكثر ضجيجًا في وجهه.
هذا مهم جدًا.
والأمر الآخر الذي أريد قوله لزملائي من أوكرانيا: نحن ندعم نضالكم. حريتكم هي حريتنا، وحرية كل الشعوب العربية التي تعاني من الديكتاتوريات. ونضالكم هو نضالنا، نضالكم هو نضالنا.
وأنتم، بصفتكم الشعب الأوكراني، دفعتم ثمن التجاهل، وثمن غياب المجتمع الدولي بشكل عام، ومرة أخرى، سامحوني، وثمن موقف ما يُعرف بالدول الغربية الديمقراطية، عندما التزموا الصمت تجاه بوتين، وعندما صمتوا عن جرائم بوتين في سوريا.
كان ذلك سببًا في تجرؤه على غزو أوكرانيا، والآن الجميع يدفع الثمن.
والأمر الثاني يتعلق بالديمقراطية. نحن شعوب عانت وضحّت من أجل استكمال الديمقراطية في بلداننا، لكن المشكلة الآن تتجاوز الدول العربية بكثير. إنها هنا، في الدول الغربية، فيما نعرفه بالدول الديمقراطية.
يبدأ الأمر بإنهاء ازدواجية المعايير في النظام الدولي، والمصالح التي تجعلهم يتركون الشعوب وحدها في بلدان كثيرة، مثل فلسطين، حيث تظهر ازدواجية المعايير بوضوح.
هذه هي النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية، فأنا أركز على هذه النقطة: أنتم تواجهون تهديدًا كبيرًا، لأن ديمقراطيتكم على المحك.
عندما تتخلى الدول الديمقراطية عن قيمها، بدءًا من المساءلة، لا يمكن الحديث عن الولايات المتحدة مثلًا من دون مساءلة رؤسائها عندما يشنون الحروب في بلداننا، وعندما تكون هناك جرائم وفساد وغياب للعدالة.
وأنتم هنا في أوروبا، وخاصة في أوروبا، عليكم أن ترفعوا أصواتكم وأن تحاسبوا حكوماتكم، عندما تتحالف مع الديكتاتوريين، وعندما تحفظ أموالهم في بلدانكم، وعندما تحميهم وتشجع الصراعات والحروب، وتصمت أمام العنصرية والكراهية والإبادة والفصل العنصري والديكتاتورية.
لذلك، على شعوبكم أن ترفع أصواتها معنا، وأن تحمي نفسها وتعمل على معالجة مشكلاتها.
نعم بالتأكيد، إيماني باللاعنف أهم من أي شيء آخر. وأعتقد أنني سأظل أؤمن بذلك حتى الموت.
وأعتقد أن اللاعنف بالنسبة إليّ ليس مجرد فكرة، بل ممارسة.
فلولا عملنا اللاعنفي، لما تمكنا من إجبار ديكتاتور اليمن على التنحي. ولولا نضالنا السلمي، لما تمكنا من إحداث هذا التغيير في المنطقة.
نعم، ظهرت مجموعات أو أعمال مسلحة محدودة في بعض البلدان، لكن ذلك كان رد فعل على القتل الجماعي الذي مارسته الأنظمة الديكتاتورية ضد المتظاهرين.
لذلك كان اللاعنف، ولا يزال، من أهم أدواتنا، وأؤمن بأننا، من خلال اللاعنف، سنتمكن من بناء الدول بعد الثورات.
لكن هذا لا يعني أننا ندين أفعال أشخاص أُجبروا على الدفاع عن أنفسهم. على سبيل المثال، ما حدث في سوريا في ظل نظام بشار الأسد.
وما زلت أؤمن بأن اللاعنف ينبغي أن يكون خيارنا الأساسي.
شيرين من إيران، وهي مسلمة شيعية. وأنا من اليمن، وأنا مسلمة سنّية. إذًا، نحن نخوض المعركة ذاتها ضد الديكتاتورية.
لذلك، لا تصفوا ما يحدث للشعوب العربية بأنه صراع بين السنة والشيعة. إنه صراع بين الديكتاتورية والشعوب الديمقراطية والحرة.
وهذا مهم جدًا: التوصيف الصحيح.
المعركة من أجل الحرية، والناس والدول في أنحاء العالم التي تعمل من أجل الحرية ويحلمون بالحرية، علينا جميعًا أن نقف معًا. هذا هو طريقنا نحو الخلاص وإنقاذ عالمنا.
وأفضل طريق لحل المشكلات من حولنا هو أن يكون تضامننا حقيقيًا وصادقًا ومباشرًا.
ولا ينبغي أن نعرّف التعاطف باعتباره ضعفًا. لا، التعاطف قوة؛ أن تكون قويًا في مساعدة من حولك وفي دعم مجتمعك.
لو كان هناك تعاطف، لما كانت هناك دول غنية وأخرى فقيرة، ولما كان هناك أغنياء وفقراء بهذا التفاوت.
لو كان هناك تعاطف، لما رأينا دولًا تغزو وتقتل الناس، ولما وُجد أي ديكتاتوريين.
التعاطف مهم جدًا؛ أن تشعر بالآخرين، وأن تدعمهم، وأن تشعر بالمسؤولية، وأن تضع نفسك في الصفوف الأمامية للدفاع عن حقوق الآخرين، اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وفي كل المجالات.
هذا هو التعاطف.
والتعاطف لا يعني العمل الخيري فقط؛ بل يعني المسؤولية، وهو بالفعل حل.
ولو كان هناك تعاطف، لما واجهنا الاحتباس الحراري بهذه الصورة، فهناك شركات وأشخاص ودول مستعدون لتدمير الأرض من أجل مصالح محدودة.
التعاطف هو الحل.
شكرًا جزيلًا لكم.
